الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

167

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يؤمنوا إلا ذلك التوهم الباطل لأن اللّه حكى مثل ذلك عن كل أمة كذبت رسولها فقال حكاية عن قوم نوح ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [ المؤمنون : 24 ] . وحكى مثله عن هود ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ [ المؤمنون : 33 - 34 ] ، وعن قوم صالح ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ سورة الشعراء : 154 ] ، وعن قوم شعيب وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ الشعراء : 186 ] ، وحكى عن قوم فرعون فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا [ المؤمنون : 47 ] . وقال في قوم محمد صلى اللّه عليه وسلّم بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ ق : 2 ] . وإذ شمل العموم كفار قريش أمر الرسول بأن يجيبهم عن هذه الشبهة بقوله : لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ الآية ، فاختص اللّه رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلّم باجتثاث هذه الشبهة من أصلها اختصاصا لم يلقنه من سبق من الرسل ، فإنهم تلقوا تلك الشبهة باستنصار اللّه تعالى على أقوامهم فقال عن نوح قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 118 ] . وقال مثله عن هود وصالح ، وقال عن موسى وهارون ، فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ [ المؤمنون : 48 ] ، فقد ادخر اللّه لرسوله قواطع الأدلة على إبطال الشرك وشبه الضلالة بما يناسب كونه خاتم الرسل ، ولهذا قال في خطبة حجّة الوداع : « إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم » . ومعنى قوله : لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ إلخ : أن اللّه يرسل الرسول للقوم من نوعهم للتمكين من المخالطة لأن اتحاد النوع هو قوام تيسير المعاشرة ، قال تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [ الأنعام : 9 ] ، أي في صورة رجل ليمكن التخاطب بينه وبين الناس . وجملة يَمْشُونَ وصف ل مَلائِكَةٌ . و مُطْمَئِنِّينَ حال . والمطمئن : الساكن . وأريد به هنا المتمكن غير المضطرب ، أي مشي قرار في الأرض ، أي لو كان في الأرض ملائكة قاطنون على الأرض غير نازلين برسالة للرسل لنزلنا عليهم ملكا .